الحلبي
78
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
فانطلقت كل واحدة إلى مكانها . وفي الإمتاع عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما : سرنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء ، فنظر رسول اللّه فلم ير شيئا يستتر به فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي ، فانطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها ، فقال : انقادي عليّ بإذن اللّه تعالى ، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده ، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها . فقال : انقادي عليّ بإذن اللّه تعالى ، فانقادت معه كذلك ، حتى كان صلى اللّه عليه وسلم بالنصف مما بينهما ولأم بينهما ، وقال التئما ، عليّ بإذن اللّه تعالى فالتأمتا ، قال جابر رضي اللّه تعالى عنه : فخلوت أحدّث نفسي ، فحانت مني التفاتة ، فإذا أنا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا وذهبت كل واحدة إلى محلها الحديث ، ولا بعد في تعدد الواقعة . ووقع له صلى اللّه عليه وسلم مجيء بعض الشجر إليه قبل أن يهاجر صلى اللّه عليه وسلم . فقد جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء اللّه من تكذيب قومه ، وقولهم له : تضلل آباءك وأجدادك يا محمد ، ومن خضبهم له بالدماء ، فقال : يا رب أرني اليوم آية اطمئن إليها ولا أبالي بمن آذاني بعدها ، وكان ذلك الوادي به شجرة ، فأمر أن يدعو شجرة من تلك الشجر . وفي لفظ : غصنا من أغصان شجرة فدعا ذلك فانتزع من مكانه وجاء إليه وسلم عليه ، ثم أمره صلى اللّه عليه وسلم بالعود فعاد إلى مكانه ، فحمد اللّه وطابت نفسه ، وعلم أنه على الحق وقال : لا أبالي بمن آذاني بعد هذا من قومي . أقول : ووقع له صلى اللّه عليه وسلم إجابة الحجر . فعن تفسير الفخر الرازي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مع عكرمة بن أبي جهل بشط ماء ، فقال عكرمة للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن كنت صادقا فادع ذلك الحجر ، لحجر كان في الجانب الآخر يسبح في الماء ويجيء إليك ولا يغرق ، فأشار إليه صلى اللّه عليه وسلم ، فانقلع ذلك الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشهد له بالرسالة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعكرمة : يكفيك هذا ، فقال حتى يرجع إلى مكانه ، فأشار إليه صلى اللّه عليه وسلم فرجع إليه مكانه ، ولم يسلم عكرمة في ذلك الوقت ، وإنما أسلم يوم فتح مكة ، واللّه أعلم . وعند خروجه صلى اللّه عليه وسلم إلى هذه الغزوة أمر صلى اللّه عليه وسلم مناديا ينادي من كان مضيعا أو ضعيفا أو مصعبا ، أي راكبا دابة صعبة فليرجع ، فرجع ناس ، وارتحل مع القوم رجل على بكر صعب أو ناقة صعبة ، فنفر مركوبة فصرعه ، فاندقت فخذه ، فمات ، فلما جيء به إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ما شأن صاحبكم ؟ فأخبروه ، قال : يا بلال ما كنت أذنت في الناس من كان مصعبا : أي راكبا دابة صعبة فليرجع ، قال : بلى ، فأبى صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي عليه ، وأمر صلى اللّه عليه وسلم بلالا فنادى في الناس : الجنة لا تحلّ لعاص ثلاثا ، وفيها مات